أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

322

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

آخر قال : « ويجوز أن يكون ظرفا » أي : يستقر لهم ذلك بعد إخراج الوصية ، ولا بد من تقدير حذف المضاف ؛ لأنّ الوصية هنا المال الموصى به ، وقد تكون الوصية مصدرا مثل الفريضة » . وهذان الوجهان لا يظهر لهما وجه . وقوله : « والعامل الظرف يعني بالظرف الجارّ والمجرور في قوله « فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ » فإنه شبيه بالظرفية ، وعمل في الحال لما تضمّنه من الفعل لوقوعه خبرا . و « يُوصِي » فعل مضارع المراد به المضمر أي : وصية أوصى بها . و « بِها » متعلق به ، والجملة في محلّ جر صفة لوصية » . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر « يوصى » مبنيا للمفعول في الموضعين ، وافقهم حفص في الأخير ، والباقون مبنيا للفاعل ، وقرىء « 1 » شاذا : « يوصّى » بالتشديد مبنيا للمفعول ، ف « بِها » في قراءة البناء للفاعل في محلّ نصب ، وفي قراءة البناء للمفعول في محلّ رفع لقيامه مقام الفاعل . قوله : أَوْ دَيْنٍ « أَوْ » هنا لأحد الشيئين . قال أبو البقاء « ولا تدلّ على ترتيب ، إذ لا فرق بين قولك : « جاءني زيد أو عمرو » وبين قولك : « جاءني عمرو أو زيدا » لأن « أو » لأحد الشيئين ، والواحد لا ترتيب فيه ، وبهذا يفسد قول من قال : « من بعد دين أو وصية » ، وإنما يقع الترتيب فيما إذا اجتمع فيقدّم الدين على الوصية » . وقال الزمخشري : « فإن قلت : فما معنى « أو » ؟ قلت : معناها الإباحة ، وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما قدّم على قسمة الميراث كقولك : « جالس الحسن أو ابن سيرين » ، فإن قلت : لم قدّمت الوصية على الدّين ، والدّين مقدم عليها في الشريعة ؟ قلت : لمّا كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض كان إخراجها ممّا يشقّ على الورثة بخلاف الدّين فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدّمت على الدّين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدّين ؛ ولذلك جيء بكلمة « أو » للتسوية بينهما في الوجوب » . قوله : آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مبتدأ ، و لا تَدْرُونَ وما في حيّزه في محلّ الرفع خبرا له ، و « أَيُّهُمْ » فيه وجهان : أشهرهما عند المعربين أن يكون « أَيُّهُمْ » مبتدأ وهو اسم استفهام ، و « أَقْرَبُ » خبره ، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محلّ نصب ب « تَدْرُونَ » لأنها من أفعال القلوب ، فعلّقها اسم الاستفهام عن أن تعمل في لفظه ؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله في غير الاستثبات . والثاني : أنه يجوز أن تكون « أَيُّهُمْ » موصولة بمعنى الذي ، و « أَقْرَبُ » : خبر مبتدأ مضمر وهو عائد الموصول ، وجاز حذفه لأنه يجوز ذلك مع « أي » مطلقا أي : أطالت الصلة أم لم تطل ، والتقدير : أيّهم هو أقرب ، وهذا الموصول وصلته في محلّ نصب على أنه مفعول به ، نصبه « تَدْرُونَ » ، وإنما بني لوجود شرطي البناء : وهما أن تضاف « أي » لفظا وأن يحذف صدر صلتها ، وصارت هذه الآية نظير الآية الأخرى وهي : ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ « 2 » فصار التقدير : لا تدرون الذي هو أقرب . قال الشيخ « 3 » : « ولم أرهم ذكروه » يعني هذا الوجه . قلت : ولا مانع منه لا من جهة المعنى ولا من جهة الصناعة . فعلى القول الأول تكون الجملة سادّة مسدّ المفعولين ، ولا حاجة إلى تقدير حذف ، وعلى الثاني يكون الموصول في

--> ( 1 ) انظر : الشواذ ( 25 ) . ( 2 ) سورة مريم ، آية ( 69 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 187 ) .